أبي حيان التوحيدي

136

المقابسات

وأبطن في أفنائه الحكمة ، وحفه بكل ما اطّبى « 1 » العقول تصفحه ومعرفته ، وحشاه بكل ما حث النفوس إلى تقليبه ، والتعجب من أعاجيبه ، وأمتع الأرواح بمحاسنه ، وأودعه أمورا ، واستجن به أسرار ، ثم حرك أولئك عليها حتى استثارتها ولقطتها واجتلتها وعشقتها وولهت عليها ، لأنها عرفت بها ربها وخالقها وإلهها وواضع وضائعها ، وناصرها وحاشدها ، وحافظها وكافلها ؛ ثم إنه تبارك وتقدس مزج بعض ما فيها ببعض ، وركب بعضه على بعض ، وسل بعضه من بعض ، ونسج بعضه في بعض ، وأمد بعضه من بعض ، وأحال بعضه إلى بعض ، بوسائط من أشخاص وإحساس وطبائع وأنفس وعلوم وعقول ، وتصرف في ملكه بقدرته وحكمته ، لا معيب الفضل ، ولا مقلى الاختيار ، ولا مردود الحكم ، ولا مجحود الذات ، ولا محدود الصفات ؛ وهو سبحانه مع هذا كله لم يستفد شيئا ، ولم ينتفع بشيء ؛ بل استفاد منه كل شئ ؛ بحسب مادته المنقادة ، وصورته المعتادة ؛ ولم يثبت بشيء ، وثبت به كل شئ ؛ ولم يحظ بشيء ، وحظى به كل شئ ، فهو الفاعل القادر ، والجواد الواهب ، والمنيل المفضل ، والأول السابق ، والواحد المطلق . فلما كان الباحث عن العالم العلوي يتصفح سكانه ، ويتعرف أماكنه وآثاره ، ومواقعه وأسراره ، متعرضا لأن يكون مشابها لباريه ، مناسبا لربه . بهذا الوجه المعروف ، استحال أن يستفيد بعلمه ، كما استحال وبطل أن يستفيد خالقه بعلمه . لأن نعته لصق به ، وحكمه لزمه ، وحليته بدت منه ، وصفته عادت عليه ، وهيئته تعلقته . هذه حال إذا فطن لها ، وأشرف عليها ، ببصيرة ثاقبة ، وتحقق حقيقتها وتولى للخبرة بنسى ما فيها ، علم اضطرارا عقليا أنها أجل وأعلى ، وأنفس وأسنى ، وأرفع وأوفى ، وأعظم وأزكى ، وأدوم وأبقى ، من جميع فوائد سائر العلوم التي حازها إليك العالمون . لأن أولئك أعملوا فوائد علومهم فيما حفظ عليهم حد الإنسان وخلقه ، ومادته وشهوته ، وأخذوا في اجتلاب نفع ، ودفع ضر ، ونقصت رتبتهم بمشاكهته ومناسبته ، والتشبه بخاصيته ، والتحلي

--> ( 1 ) اطّبى العقول : استمالها